أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
288
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
ففيه قبح لجعلك الصفة كالاسم ، وقال أبو علي : تقول : « ما مررت بأحد إلّا قائما » . قائما : حال . ولا تقول : إلّا قائم . لأنّ « إلّا » لا تعترض بين الصفة والموصوف . وقال ابن مالك - وقد ذكر ما ذهب إليه الزمخشري في قوله : « ما مررت بأحد إلّا زيد خير منه » أنّ الجملة بعد « إلّا » صفة ل « أحد » - : أنه مذهب لا يعرف لبصري ولا كوفي ، فلا يلتفت إليه ، وأبطل قوله : إنّ الواو توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف » . قلت : قول الزمخشري قوي من حيث القياس ، فإنّ الصفة كالحال في المعنى ، وإن كان بينهما فرق من بعض الوجوه ، فكما أن الواو تدخل على الجملة الواقعة حالا ، كذلك يدخل عليها واقعة صفة ويقويه أيضا ما نصره به من الآية الأخرى في قوله : مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ . ويقويه أيضا قراءة ابن أبي عبلة المتقدمة . وقال القاضي منذر بن سعيد هذه الواو هي التي تعطي أن الحالة التي بعدها في اللفظ هي في الزمن قبل الحالة التي قبل الواو ، ومنه قوله تعالى : حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها « 1 » . [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 5 إلى 11 ] ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ ( 5 ) وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ( 6 ) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 7 ) ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ ( 8 ) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 9 ) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ ( 10 ) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 11 ) قوله : . . . مِنْ أُمَّةٍ . . . . « تَسْبِقُ » و « مِنْ » مزيدة للتأكيد ، وحمل على لفظ « أُمَّةٍ » في قوله : « أَجَلَها » فأفرد وأنث ، وعلى معناها في قوله : « وَما يَسْتَأْخِرُونَ » فجمع وذكّر وحذف متعلق « يَسْتَأْخِرُونَ » تقديره : عنه ، للدلالة عليه ، ولوقوعه فاصلة . قوله : . . . نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ . . . . العامة على « نُزِّلَ » مشددا مبنيا للمفعول ، وزيد بن علي ، على أن « نزل » مخففا مبنيا للفاعل . قوله : لَوْ ما . حرف تحضيض ك « هلّا » ويكون أيضا حرف امتناع لوجود . وذلك كما أن « لولا » مترددة بين هذين المعنيين ، وقد عرفت الفرق بينهما ، وهو أن التحضيضية لا يليها إلّا الفعل ظاهرا ، أو مضمرا كقوله : 2958 - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * لولا الكميّ المقنّعا « 2 » والامتناعية لا يليها إلا الأسماء لفظا أو تقديرا عند البصريين ، وقوله : 2959 - ولولا يحسبون الحلم عجزا * لما عدم المسيئون احتمالي « 3 »
--> ( 1 ) آية ، رقم ( 73 ) ، من سورة الزمر . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) تقدم .